رابسودي | للأوركسترا

ألّف مالك جندلي عمله الأوركسترالي الجديد “رابسودي” في ربيع عام 2025 أثناء استكماله أوبراه الكاملة “الساحة” (The Square). وقد جاء هذا العمل الشخصي العميق بتكليف من مهرجان رافينيا والمايسترو مارين ألسوب. تقول ألسوب، التي دأبت على دعم أعماله والدفاع عنها: “ينتمي جندلي إلى صف كبار المؤلفين الشعراء في عصرنا. إنه صوت ذو قيمة إنسانية وفنية استثنائية، يتمتع بجمال مدهش يكاد يكون سماويًا”. ويُعرف جندلي بقدرته على نسج التقاليد الموسيقية الغنية لتراثه السوري في مؤلفات سيمفونية مؤثرة. وقد كُتبت رابسودي في مدينة نيويورك، لكنها استُلهمت من سوريا القديمة، لتجسد رسالة جندلي الفنية التي كرّس لها حياته: الحفاظ على التراث الموسيقي الغني للعالم العربي والارتقاء به من خلال لغة الموسيقى الكلاسيكية الغربية.

في رابسودي، يبتكر جندلي ما يصفه بـ “حوار حيّ بين الحضارات”، في عمل يمزج بين الذاكرة الثقافية والتعبير المعاصر. واستنادًا إلى أشكال موسيقية عربية عريقة تمتد جذورها عبر قرون، تتضمن القطعة موضوعين موسيقيين سوريين تقليديين: الأول في مقام حجاز كرد، مأخوذ من الموشح “يا بهجة الروح”، والثاني في مقام الحجاز، ويظهر في وصلة “يا مايلة الغصون”. وتُعاد صياغة هذين الموضوعين، بما يحملانه من عمق عاطفي وتاريخي، ضمن سياق سيمفوني معاصر ذي دلالة خاصة وراهنية واضحة.

وقد صُمِّم العمل خصيصًا مع وضع أوركسترا شيكاغو السيمفونية في الاعتبار، حيث يمنح مكانة بارزة لقسم الآلات النحاسية المعروف بقوته وتميزه، وهو ما يضفي على الموسيقى طابعًا من الفخامة والهيبة. ويشرح المؤلف قائلًا: كنت مهتمًا بشكل خاص بمحاولة استخراج جميع ألوان الأوركسترا باستخدام مجموعة من الآلات التي قد تبدو، للوهلة الأولى، متشابهة في طابعها الصوتي. ومن نسيج آلات النفخ الخشبية الرقيق إلى النداءات الاحتفالية الجريئة للآلات النحاسية، تتكشف «رابسودي كفسيفساء صوتية تعكس التعقيد الموسيقي لثقافة كثيرًا ما أُغفلت في تقاليد الموسيقى الكلاسيكية الغربية.

وإلى جانب ثرائها الموسيقي، تحمل رابسودي رسالة ثقافية ملحّة. فمن خلال صدى دعوة اليونسكو إلى حماية التراث المهدد بالاندثار في بلاد ما بين النهرين والعالم العربي الأوسع، يوظف جندلي موسيقاه للدفاع عن حفظ التراث من خلال الإبداع ذاته. ويقول: بوصفي مؤلفًا موسيقيًا أمريكيًا وموسيقيًا يحمل رسالة، فإن من واجبي أن أحافظ على هذا التراث الغني لوطني الحبيب وأقدمه للعالم، وأن أقول إننا جزء منكم ونساهم في حداثة الموسيقى الكلاسيكية.

ويضم الإنتاج الموسيقي الغزير لجندلي ثماني سيمفونيات، وسبعة كونشيرتوهات، وأوبرا كاملة، إلى جانب مجموعة متنوعة من القصائد السيمفونية والرقصات السيمفونية. وقد اختارت صحيفة واشنطن بوست ألبومه الأخير “كونشيرتوهات” (Concertos)، الذي يتضمن كونشيرتو الكلارينيت المؤلف خصيصًا لعازف الكلارينيت الأول في أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية أنطوني ماكغيل، ضمن قائمة «أفضل الموسيقى الكلاسيكية لعام 2024”.

وفي نهاية المطاف، تمثل رابسود احتفالًا ونداءً في آنٍ واحد: احتفالًا بالوحدة من خلال الفن، ونداءً من أجل الذاكرة والسلام والإنسانية المشتركة التي تعبّر عنها الموسيقى بقوة فريدة. ويذكّرنا جندلي بقوله: علينا أن نكون نورًا عندما يكون العالم غارقًا في الظلام، ومن الأفضل دائمًا أن نكون معًا في سيمفونية من أجل السلام.

جين فيال جافي