رسائل من بلادي

من الألبومات التي ألفها مالك جندلي بعد قيام الثورة السورية، وهو من الأعمال التي تعكس مدى تأثير الثورة على موسيقاه. تم تسجيل الألبوم عام 2016 بأداء الأوركسترا الروسية الفيلهارمونية وقيادة المايسترو سيرجي كوندراشيف، وعزف مالك جندلي بنفسه على البيانو أثناء التسجيل بمصاحبة الأوركسترا.

يضم الألبوم سبع قطع موسيقية أو سبع رسائل، ما يدل على خصوصية الرقم 7 في الحضارة العربية والدين الإسلامي وبعض الأديان الأخرى، وكان ذلك خلال عمل مالك جندلي على تأليف سيمفونيته السابعة الحقيقة شعار ورسالة جامعة هارفارد.

لا ينفصل هذا الألبوم عن المشروع الموسيقي لمالك جندلي، الذي يهدف إلى حفظ التراث السوري وتقديمه إلى العالم بلغة الموسيقى السيمفونية، وتوظيف المقامات الشرقية بأسلوب أكاديمي ضمن علم الهارموني للموسيقى الكلاسيكية.

إلى جانب ثيماته وأفكاره الأصلية، تستلهم المقطوعات أو الرسائل السبع بعض ثيماتها وأفكارها الموسيقية من ألحان وجدها مالك جندلي في كتاب موسيقي قديم في مدينة حلب قبل أن يتم تدميرها، حلب المدينة التي يقول عنها جندلي إنها مكان فريد استطاع أن يحفظ موسيقى اشعوب من مختلف مناطق الحرير بهوياتها الأصلية.

كان مالك جندلي أثناء تأليف هذا الألبوم يحافظ على جزء من تراث حلب الموسيقي بينما كانت المدينة تتعرض للتدمير الممنهج كغيرها من المدن السورية.

على الرغم من أن الألبوم يحتوي على سبع مقطوعات موسيقية منفصلة، إلا أنه يعد عملاً ذا فكرة موحدة تجمع بين تلك المقطوعات وتصلها ببعضها البعض، ويتلقى السامع الفكرة كاملة بتمام معناها عندما يصغي إلى الألبوم كاملاً بجميع مقطوعاته ويستقبل الرسالة تلو الأخرى.

أطلق مالك جندلي على هذا الألبوم عنوان رسائل من وطني، وهنا يمتزج الذاتي بالعام، ويكون العنوان دالاً على ما يحتويه الألبوم من أفكار ومشاعر ورؤى عميقة وتأملات في الوطن، يستخدم جندلي الرسائل كشكل تعبيري رمزي، وهي رسائل يبعثها من وطنه أو بالنيابة عن وطنه سوريا، البلد الجميل ذو التاريخ العريق والحضارة الباهرة الذي تعرض لأبشع أنواع الطغيان ومأساة كبرى في تاريخ البشرية.

من سوريا يبعث مالك جندلي برسائل إلى العالم، رسائل تصف جمال الوطن وقوته التاريخية والحضارية، وأصالة شعبه الضارب بجذوره في عمق التاريخ الإنساني، رسائل تخبر العالم بالكثير عن جراح الوطن ومعاناته تحت أهوال الظلم والقمع والديكتاتورية.

كل مقطوعة عبارة عن رسالة يهدف جندلي من خلالها إلى توصيل فكرة محددة ومعنى وأثر شعوري، وشحنة جمالية رفيعة هي أساس العمل الفني، وقطعة من التراث الموسيقي السوري يعتني به ويدرك قيمته الثمينة ويقدمه للعالم في أبهى صورة. هي رسائل مدونة بحروف الموسيقى التي يستطيع الجميع في كافة أنحاء العالم أن يفهمها.

الرسالة الأولى: من وحي بشرف قديم لمؤلف غير معروف في مقام حجاز يستلهم الموسيقار مالك جندلي الرسالة الأولى من الألبوم، مدة المقطوعة سبع دقائق تقريباً، وتسير على وتيرة بطيئة إلى حد ما، تكون البداية رقيقة هادئة ثم يبدأ التصاعد التدريجي ونستمع إلى ميلودية جميلة ويبرز صوت البيانو، يعلن اللحن السوري عن نفسه ويتحدث بنغم خلاب، وتتفاعل الأوركسترا مع تلك الأنغام الآتية من سوريا، تتماوج أنغام البيانو وتتراقص ونكون مع مزيج رائع من الأنغام والأصوات والتأثيرات الشعورية.

الرسالة الثانية: تنطلق في هدوء معتدل لا يخلو من الحيوية وتمتد لست دقائق، تبدأ المقطوعة بذروة مرتفعة وحشد أوركسترالي هائل، موسيقى صاخبة غاضبة ربما تعلن عن خطر وتوتر وتنذر بأن هناك شيئاً ما، ثم يأتي البيانو بصوت هادئ ونغم متوسط السرعة كما لو أنه يشرح كل شيء بالتفصيل وتصاحبه الأوركسترا وضربات النحاسيات القوية، ثم تعود ثيمة البداية المرتفعة كحدث جلل أو خطب من الخطوب، يعقبه هدوء ونغمات خافتة متقطعة تقودنا إلى ميلودي جميل، وتلعب النحاسيات النفخية والإيقاعية دوراً بارزاً في هذه المقطوعة.

الرسالة الثالثة: تستغرق المقطوعة أربع دقائق وهي ذات طبيعة حيوية جداً، تكون البداية رشيقة بأنغام قصيرة متلاحقة يبرز فيها صوت الوتريات والهوائيات الخشبية إلى جانب الأوركسترا، وتقدم تقنيات ومهارات مختلفة في العزف على البيانو.

الرسالة الرابعة: تمضي المقطوعة على وتيرة معتدلة السرعة شديدة الاتزان وتمتد لخمس دقائق، بعد بداية وتمهيد خاطف نستمع إلى ميلودي رائع، تتداخل الأوركسترا مع هذا الميلودي ثم تنتقل المقطوعة إلى ما يشبه الارتجال أو التنويع الحر على الميلودي وتتصاعد الأوركسترا، البيانو هو من يقدم الميلودي أساساً ونستمع إلى أجزاء منه بصوت الهوائيات الخشبية أيضاً، تنتهي المقطوعة بذروة هائلة بعد نغمات متقطعة، إنها مقطوعة مليئة بالجمال والقوة والحيوية.

الرسالة الخامسة: مقطوعة رائعة تمتد لست دقائق تتنوع بين السرعة والاعتدال، تضم المقطوعة ثيمتين بديعتين الأولى مستلهمة من سماعي قديم في مقام حجاز كار كرد، نستمع إليها بصوت البيانو في بداية المقطوعة بعد التمهيد المختصر، والثانية رقصة شامية قديمة تعرف باسم رقصة الهوانم وهي غير معروفة المؤلف، لكن لحنها شهير ومعروف لدى الجميع تقريباً، نستمع إلى هذه الرقصة بصوت الأوبوا في البداية قبل أن يتم التنويع عليها وأن تنضم الأوركسترا لتؤدي ذلك اللحن، يمنحنا مالك جندلي تجربة جمالية مغايرة ومختلفة ونحن نستمع وأن تنضم الأوركسترا لتؤدي ذلك اللحن، يمنحنا مالك جندلي تجربة جمالية مغايرة ومختلفة ونحن نستمع إلى هذا اللحن الشهير كما لم نستمع إليه من قبل بلغة موسيقية رفيعة وآفاق لحنية ممتدة، أما الثيمة الأولى التي نسمعها بصوت البيانو فنجد فيها رقة وتنغيماً وشجناً شرقياً يلامس القلب مباشرة، حيث يخفق القلب وتهفو الروح وتتبع ذلك النغم الآسر، وتتلقى معاني الرسالة الآتية من أعماق الوجدان السوري.

الرسالة السادسة: تحتوي على ثيمتين بشرف قديم في مقام راست للموسيقار تاتيوس أفندي، والأخرى لونجا شاهناز، رقصة من أوروبا الشرقية مقدمة في الموسيقى العربية في مقام يسمى على منطقة شاهناز لأدهم أفندي، تمتد المقطوعة لسبع دقائق ونصف، وتمضي أسرع قليلاً من المقطوعة السابقة، ويبرز فيها ذلك الحوار الرائع بين البيانو والأوركسترا ويأخذنا البيانو في رحلة بديعة مليئة بالتلوينات الشعورية ويتضاعف الإحساس في القسم الأخير من المقطوعة، كما لو أن المشاعر تجتمع من كل صوب وتلتقي في نغمات النهاية.

الرسالة السابعة: ختام الألبوم وأطول مقطوعاته حيث تمتد إلى ما يزيد على ثمان دقائق، تمضي بشكل لا يخلو من الحركة والحيوية والبطء العميق في بعض المقاطع أيضاً، تقدم لنا هذه المقطوعة جرعة جمالية كبيرة ومتنوعة، حيث تحتوي على ثلاث ثيمات، الأولى مستلهمة من بشرف قديم في مقام راست تنتهي ببشرف آخر في مقام نوا أثر لإسكندر شلفون، والثيمة الثانية من سماعي بوصالك للموسيقار السوري شفيق شبيب، أما الثيمة الثالثة فقد ألفها مالك جندلي من وحي موسيقى شعبية سورية كما فعل بيلا بارتوك وغيره من مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية، الذين قدموا الفولكلور الموسيقي لبلادهم من خلال مؤلفاتهم الأصلية.