أوبرا الساحة

أوبرا كاملة من فصلين، عمل مالك جندلي على تأليف موسيقاها لأربع سنوات ونيف، وكتب نصها يوجين جوتبرج المولع بفن الأوبرا وبحضارة وتاريخ وحاضر ومستقبل العالم العربي والشرق الأوسط.

تم تسجيل الأوبرا بالكامل مع مغنين وقائدة الكورال لدى دار الأوبرا الكندية في تورنتو وبمصاحبة آلة البيانو، ليتم تقديمها بعد ذلك إلى دور الأوبرا المختلفة حول العالم.

أوبرا الساحة باكورة مؤلفات مالك جندلي لفن الأوبرا حيث الاشتغال موسيقياً على نص غنائي درامي، والتعبير عن معانيه وأفكاره وحالاته الشعورية المختلفة من خلال الأنغام، وكذلك التلحين للأصوات الأوبرالية بأنواعها المتعددة من تينور وسوبرانو وباريتون وباص، بالإضافة إلى الكورال والمجموعات الصوتية. هذا النوع من التأليف الموسيقي والتلحين الأوبرالي يختلف بطبيعة الحال عن المؤلفات الموسيقية البحتة عند مالك جندلي، أو ما لحنه من أغان وأناشيد كتب كلماتها بنفسه، فهنا في أوبرا الساحة يرتبط الخيال الموسيقي بخيال الليبريتو أو النص الأوبرالي، وينطلق الإبداع الموسيقي من الأفكار الأساسية لهذا النص، وفي هذه الحالة يكون على الموسيقى أن تمنح الحياة للكلمات المكتوبة على الأوراق، وأن تهبها روحاً متوهجة تمكنها من أن تبدأ رحلتها للوصول إلى المتلقي ووجودها الفني ورسوخها في الذاكرة.

يقوم فن الأوبرا على القصص والحكايات الدرامية والنهايات ذات الطابع المأساوي في كثير من الأحيان، لكن هذا النوع الفني يتيح للمؤلف الموسيقي أن يوظف العديد من مهاراته وإبداعاته، وأفكاره اللحنية التي يصعب استخدامها في بعض المؤلفات الموسيقية البحتة أو أي من القوالب الموسيقية الأخرى، لذا نجد في هذا العمل مساحة كبيرة غنية ومتنوعة من إبداعات مالك جندلي في فنون التلحين والتأليف الموسيقي.

الساحة The Square أوبرا تتناول جزءاً من التاريخ الحديث الخاص بمنطقتنا العربية، للوهلة الأولى يحيلنا العنوان إلى الربيع العربي، إلى ميادين وساحات الحرية التي شهدت ثورات الشعوب، وانتفاضاتها في وجه الديكتاتوريات والأنظمة القمعية سواء في تونس ومصر وسوريا، أو في غيرها من البلدان العربية.

بوحي مباشر من تلك الثورات كتب يوجين جوتبرج نص الأوبرا بدافع من اهتمامه بالمنطقة العربية والشرق الأوسط، وقام مالك جندلي بتلحين الأوبرا وصياغة موسيقاها، وهو السوري الذي شهد وطنه سوريا النموذج الأقسى والأشد وحشية من الديكتاتورية، وكذلك النموذج الأكثر تضحية وفداء من ثورات الحرية، وأثناء عمله على تلحين هذه الأوبرا كانت سوريا حينذاك لا تزال تعاني من الظلم والطغيان وأبشع أنواع التنكيل بمن طالبوا بالحرية، ويتعرض الشعب السوري للقتل والتشريد والإعتقال والإبادة الجماعية، وكافة صنوف الأهوال التي تعد من أفظع جرائم العصر الحديث في تاريخ البشرية.

وبهذا لا تخرج أوبرا الساحة عن إطار مشروع مالك جندلي الموسيقي، الذي كرسه منذ اندلاع الثورة السورية للتعبير عن صوت الشعب السوري وإيصاله إلى العالم من خلال الفن ولغة الموسيقى التي يفهمها العالم أجمع، وتحديداً لغة الموسيقى السيمفونية الرفيعة، وكذلك حفظ التراث السوري في أكثر الأوقات التي كان فيها مهدداً بالضياع والإندثار، وتقديم أنغامه ومقاماته وقوالبه الموسيقية والغنائية إلى العالم. بالإضافة إلى معايشة الثورة السورية وتخليد أبطالها وشهدائها وكافة ضحايا الديكتاتور، ومواكبة الأحداث المتتالية طوال سنوات الثورة، وتوثيق تلك الفترة من تاريخ الوطن في أعمال موسيقية راقية، ليسمعها العالم وتسمعها الأجيال السورية والعربية بعد عشرات السنين، وتستذكر معها ملحمة الشعب السوري ونضاله الطويل في سبيل الحرية والعدل وحقوق الإنسان.

كتب يوجين جوتبرج أحداث الأوبرا في مكان غير محدد الاسم، يرمز للدول التي شهدت ثورات الحرية إبان فترة الربيع العربي، واعتمد عوضاً عن تحديد اسم الدولة على بعض العناصر والعلامات الدالة على وقوع الأحداث في دولة عربية تحكم بواسطة ديكتاتور قمعي متسلط. فالتفاصيل مألوفة وواضحة الدلالة، من الأسماء العربية مثل عقيلة وطارق وحمادي، ومكونات المجتمع من إسلاميين متشددين وعسكر وشباب ووطنيين والطبقات الفقيرة المعدمة وغيرهم من بقية مكونات الشعب. وهناك بالطبع الحاكم الديكتاتور الذي يضع نفسه ويضعه البعض في مصاف الآلهة وإليه يرجعون الفضل في كل شيء حتى في وجودهم ذاته. وهناك أمريكا الحاضرة من خلال ممثلتها التي يكون لها دائماً الكلمة المسموعة على هذا النوع من الحكام.

لا تنتهي الأوبرا نهاية وردية حالمة على الرغم من رحيل الديكتاتور، فهناك موت عقيلة وما يمثله من فقدان هائل لأبيها طارق وخطيبها حمادي، وحالة الفقدان بشكل عام نظراً لموت رمز النقاء الثوري المتجسد في موت عقيلة، وكذلك الصراع المفتوح بين الإسلاميين والفصائل الأخرى، والتكالب على الوطن حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق فوزه الخاص ونيل مكاسبه.

بعد مقدمة موسيقية تمهيدية توحي بالترقب والحذر وتتصاعد تدريجياً من نغمات منخفضة إلى نغمات تأخذ في التصاعد والقوة، ومع تسارع الأنغام نستمع إلى بداية الغناء وأول الأصوات، صوت الحاكم الديكتاتور ويؤديه الباريتون، يطالع الحاكم عبر شاشة كبيرة الساحة المكتظة بالمتظاهرين، فيكذب ما يراه ويدخل في حالة من الإنكار، ويطمئن نفسه بأنهم سريعاً ما سينصرفون لأداء الصلاة والذهاب إلى بيوتهم. موسيقى الحاكم ذات لون قاتم ينذر بالخطر في القسم الأول من الأوبرا، ثم يميل إلى التعبير عن الإنهزام في النهاية.

نجد في الأوبرا الكثير من الألحان الدالة المعبرة عن طبيعة كل شخصية من شخصيات الأوبرا، وكذلك المعبرة عن طبيعة كل جمع من الجموع. فالإسلامي المتشدد على سبيل المثال له تنغيمه الخاص ومقاماته الموسيقية المختلفة، وتمديد الصوت عند نطق لفظ الجلالة (الله) بطريقة مستوحاة إلى حد ما من الأذان أو تراتيل الذكر، وتغلب الشدة على غنائه بشكل عام. ويكون تلحين غناء العسكر أو مجموعات الحرس العسكري معتمداً على الأنغام منضبطة الإيقاع التي قد تتشابه قليلاً مع المارش، ويعتمد كذلك على الجمل القصيرة المتقطعة، والقوة والتصاعد التدريجي المستمر الذي قد يذكر ببعض الغناء الروسي. كما يلتمس السامع لهذا العمل روحاً من التأثير الموسيقي العربي، يجده في نغمة ما، أو في انتقال مقامي لافت، أو تنغيم صوتي معين.

عقيلة (صوت السوبرانو) رمز النقاء الثوري في العمل، تكون موسيقاها حالمة على قدر كبير من الصفاء، سواء في آرياتها المنفردة أو في الآريات التي تجمعها بأبيها طارق وخطيبها حمادي. كما أن هناك موسيقى الشباب السريعة بأنغامها الخاطفة التي يغلب عليها الخفة والرشاقة. أما غناء السيدة الفقيرة فتصاحبه موسيقى بطيئة بإيقاعات متعبة منهكة.

تتعدد أنواع الغناء في هذا العمل، من الغناء الفردي إلى الثنائي والرباعي والجماعي، ويتداخل الغناء الجماعي أيضاً، حيث تغني كل مجموعة كلماتها الخاصة في خطها الميلودي الخاص في نفس الوقت، فنستمع إلى الأصوات المتعددة معاً. وهناك التعبير الدرامي للموسيقى الذي يعكس أحوال الشخصيات ومشاعرها من حزن وخوف وقلق وحب، وشعور بالإنهزام أو بالانتصار، بالإضافة إلى التنوع الديناميكي والإيقاعي للألحان.

تدفع الموسيقى الحبكة والأحداث إلى الأمام من مشهد إلى آخر، وبعد رحيل الديكتاتور في القسم الأخير من الأوبرا، تعود المقدمة الموسيقية التي افتتح بها العمل مرة أخرى بأنغامها الحذرة المتصاعدة ببطء، ثم تنطلق أنغام الحرية الممتلئة بالحيوية والفرح، لتصاحب غناء كورال المتظاهرين الذين يتغنون بتحررهم وخلاصهم من الديكتاتورية التي صارت جزءاً من الماضي.

تتصاعد أنغام الإسلامي وهو يردد "الحمد لله" ويخطط للمستقبل كما لو أنه تسلم الدولة والحكم، ويقرر كل شيء وفق إرادته ويأمر النساء بتغطية وجوههم. بينما يشعر الشباب المتعب كأنه قد أنهى الأمر وأتمه ولا يعنيه من سيتولى الحكم بعد ذلك، وتظل السيدة الفقيرة ضائعة وسط كل ما يحدث، تبحث عن لقمة خبز تتناولها وفراش تنام عليه، وتتساءل هل ستقوم تلك الديمقراطية التي يتغنون بها بإطعام الجوعى؟

ونستمع إلى بعض التساؤلات الواقعية من الشخص المتشائم حول تفاصيل الحياة اليومية من غاز وكهرباء وما شابه. يغني كورال المتظاهرين بتفاؤل حول المستقبل ويتداخل مع غنائهم غناء كل من الإسلاميين والوطنيين وغيرهم كل يغني كلماته. ثم يكون الختام مع مشاعر الخسارة والفقد، يقول طارق إنه خسر نور حياته ابنته عقيلة، ويقول حمادي إنه خسر نور حياته خطيبته عقيلة، ويقول الحاكم إنه خسر نور حياته السلطو والحكم. بين هذه الأصوات الثلاثة تنتقل الموسيقى بنغمات بطيئة من صوت إلى آخر، ومع همهمة الكورال تنتهي الأوبرا.

أوبرا الساحة، أوبرا حديثة تستمد موضوعها من أحداث قريبة العهد، وتقدم موسيقاها لوناً جديداً في عالم الأوبرا بعناصر تأليفه وتعبيرات لحنية مبتكرة.