المحيط الصامت

قصيدة سيمفونية عزفت للمرة الأولى أمام الجمهور عام 2017 بأداء أوركسترا بالتيمور السيمفوني وقيادة المايسترو الأمريكية مارين ألسوب أحد أهم قائدي الأوركسترا في الوقت الحالي وتلميذة المايسترو والموسيقار الأمريكي الكبير ليونارد برنستاين. تم تسجيل العمل عام 2023 بأداء أوركسترا راديو فيينا السيمفوني وقيادة مارين ألسوب أيضاً.

إلى جانب ما يقوم به مالك جندلي عبر مشروعه الموسيقي من حفظ التراث السوري وتقديمه إلى العالم بلغة الموسيقى السيمفونية، وتوظيف المقامات الشرقية بأسلوب أكاديمي ضمن نظرية الهارموني للموسيقى الكلاسيكية، وتوثيق كفاح الشعب السوري وثورته العظيمة في سبيل الحرية، فإنه من خلال هذه القصيدة السيمفونية يسعى أيضاً إلى خلق توازن استراتيجي مع الغرب، وإلقاء الضوء على التفرقة بين دماء ودماء وأرواح وأرواح، والنظرة الدونية حتى للطفل العربي السوري المسلم، الذي تعرض لأبشع أنواع القتل والتعذيب والتشريد والتجويع على مدى سنوات وسنوات على مرأى ومسمع من العالم أجمع، الذي شاهد أطفال سوريا يموتون اختناقاً واحتراقاً ورأى جثثهم الصغيرة تلقيها أمواج البحار على شواطئ اللجوء.

المحيط الصامت قصيدة سيمفونية تروي قصة طفلة من هؤلاء الأطفال، طفلة سورية غرقت في البحر، طفلة هربت من ويلات الهولوكوست السوري لتجد أن العالم يرفضها كإنسان، يسرد العمل القصة ويرسم صوراً ذهنية ومشاهد درامية باستخدام الآلات الموسيقية فقط دون كلمات أو غناء أو صوت بشري. مدة العمل 19 دقيقة ورغم أنه يتكون من حركة واحدة كما هي طبيعة القصيدة السيمفونية عادة، إلا أنه يحتوي على تغيرات في الثيمات والأفكار الموسيقية، بالإضافة إلى التبدلات الإيقاعية والهارمونية، من خلال المشاهد المتعاقبة من القصة المروية موسيقياً، ويلاحظ أن الموسيقى تكون في أقصى طاقاتها التعبيرية وديناميكية إلى درجة كبيرة، وتسير في بنية سردية درامية محكمة من تمهيد وحدث وصراع وذروة، وحل كان محزناً في هذه القصة.

كما يسرد لنا العمل قصة الطفلة السورية ضحية الظلم والقمع والديكتاتورية والخلل في إنسانية العالم، فإنه يقوم أيضاً برحلة نفسية داخل عقل هذه الطفلة ويغوص في أعماق وجدانها. عندما نستمع إلى المحيط الصامت نكون مع قصة طفلة سورية من حلب، قتل الديكتاتور أهلها وفرت وحيدة وألقت بنفسها في قارب صغير وذهبت وحدها وسط البحر بظلمته وأمواجه وصمته المخيف وصخبه المرعب، وعندما كان مالك جندلي يؤلف هذه القصيدة السيمفونية عن الطفلة، كانت الأهوال تسقط على حلب وغيرها من المدن والمناطق السورية.

فرت هذه الطفلة الصغيرة بنفسها فقط، لم تستطع أن تأخذ دميتها أو كتاباً أو لعبة أو قطعة من ملابسها، لم تصطحب شيئاً من سوريا سوى لحن سوري قديم حملته في ذهنها واحتفظت به في ذاكرتها، لحن جميل كان جدها الذي قتله الديكتاتور يغنيه لها عند نومها في كل ليلة، صار هذا اللحن هو الوطن والجد والملاذ الذي تحتمي به الطفلة الوحيدة وسط البحر الرهيب والظلمة الخانقة، هو كل ما تبقى من الوطن تستمد منه الشعور بالدفء والحنان والاطمئنان في لحظات تعد من أقسى وأصعب ما يتعرض له الصغير والكبير.

اللحن السوري القديم من سماعي في مقام حجاز كار للموسيقار السوري نديم الدرويش الذي عاش في الفترة من 1926 حتى عام 1988، ينبثق اللحن وسط تلاطم أمواج البحر من خلال قسم الفيولا، يكون هذا اللحن حصيلة ما أخذته معها من متاع وميراث وذكريات من وطنها سوريا، وفي هذا معنى وإشارة إلى أن الفن والموسيقى على وجه الخصوص تستطيع أن تبقى عندما يتم تدمير كل شيء، فهي ليست شيئاً ملموساً يجب حمله ونقله، وإنما هي شيء يمكن حفظه في الوجدان والذاكرة، وهناك إشارة أيضاً إلى أن التراث والثقافة والفن يجب حفظهم وحمايتهم حتى في أشد لحظات الدمار، وهذا ما فعله مالك جندلي على مدى سنوات طويلة عندما كانت الثقافة السورية تتعرض للتدمير الممنهج وكان التراث السوري يتعرض للمحو والاندثار.

مع بداية المقطوعة نكون مع أجواء مضطربة مشوشة، نكون وسط البحر وتلاطم الأمواج والمدى الشاسع المخيف المنفتح على المجهول، أنغام خافتة تأتي من بعيد وتتصاعد تدريجياً، وجمل موسيقية متلاحقة غير منتظمة منها القصير ومنها الطويل ومنها ما تتغير نهايتها بشكل غير متوقع، ضربات إيقاع فجائية وأنغام متقطعة تصدر عن الوتريات، هدوء غير مطمئن وصخب عاصف مخيف.

يتم التعبير موسيقياً عن التناقض بين هول البحر وقوته وضعف الطفلة الصغيرة التي فرت من الجحيم وألقت بنفسها في قارب صغير لتجد نفسها وسط بحر شاسع لا يرحم، يتذكر مالك جندلي ويذكرنا من خلال موسيقاه بالكثير من الأرواح السورية التي اختطفها هذا البحر، الأبرياء من الشعب السوري الذين فروا من ديكتاتور قتل الحياة وأباد البشر، نتذكر كل هؤلاء ونحن نستمع إلى الأنغام الحزينة ونتابع قصة الطفلة الصغيرة في رحلة فرارها وهي تواجه البحر والمجهول وحدها، الموسيقى التي تنبض بألم لا ينسى تخلق شعوراً بالقلق والترقب حيث تتلاقى الخطوط اللحنية وتتفاعل وتتصادم كموجات البحر، تزداد حدة الموجات الموسيقية في القسم الثالث من المقطوعة وتتصاعد أصوات الوتريات والنحاسيات وضربات الإيقاع، وتتكون دوامة موسيقية هائلة وذروة مرتفعة تعلن عن غرق الطفلة البريئة ويتحول الإيقاع في الخلفية إلى ما يشبه الإيقاع الجنائزي، ثم تتحول الأجواء إلى ما يشبه الأجواء الملائكية وكأننا نستمع إلى صوت الطفلة التي فارقت الحياة وتحولت إلى ملاك يشدو بلحن سماوي,

المحيط الصامت قصيدة سيمفونية ذات فكرة رائعة، تروي قصة فيها من السمو والألم والبراءة ما يجعلها مقطوعة موسيقية لا تنسى شديدة التأثير.