تتميّز موسيقى مالك جندلي بطابعها الآسر والدافع والمفعم بالشغف، بل وبروحها المرحة أحيانًا، وقد وجدت طريقها إلى قلوب الجماهير والنقاد على حدّ سواء. يسعى جندلي إلى الحفاظ على التراث الثقافي الغني لسوريا في وقت يتعرض فيه هذا التراث للطمس والاندثار. وهو لا يفعل ذلك بوصفه مؤرشفًا للماضي، بل من خلال تأليف أعمال موسيقية مبتكرة «حيّة» تخدم هدفه الأوسع بوصفه مناصرًا للسلام وحقوق الإنسان. ويستند في ذلك إلى إرثه الثقافي المتعدد الأبعاد ومهاراته الموسيقية الرفيعة ليحيك موسيقى موحية تتحدث كوحدة متكاملة لا كخيوط متفرقة.
لعبت الموسيقى الكلاسيكية دورًا كبيرًا في حياة جندلي منذ سن مبكرة جدًا، أولًا في ألمانيا ثم في سوريا، من خلال حضوره الحفلات الموسيقية الحية واستماعه إلى التسجيلات المفضلة لدى والديه، إضافة إلى تدريبه المكثف كعازف بيانو. وبفضل موهبته وتفانيه، أصبح أول سوري يؤدي كونشرتو البيانو رقم 1 لتشايكوفسكي قبل أن يحصل على منحة دراسية كاملة لمتابعة دراسته في الولايات المتحدة. كما أن حياته في سوريا كانت محاطة بأصوات أجراس الكنائس، ونداءات الصلاة من المآذن، والأغاني الشعبية، وتراتيل الألحان القديمة. لذلك، عندما قادته دراسته في الولايات المتحدة بشكل طبيعي من عازف بيانو كلاسيكي إلى مؤلف موسيقي، كان من الطبيعي أيضًا أن يضفي على أعماله عناصر سورية أصيلة.
يواصل جندلي اليوم الظهور كعازف بيانو والتأليف بغزارة. ومن أحدث أعماله «المحيط الصامت» (The Silent Ocean)، الذي كلفت أوركسترا بالتيمور السيمفونية بتأليفه، وقد «وجد جمهورًا مأخوذًا به في عرضه العالمي الأول»، بحسب صحيفة واشنطن بوست. كما وصفته المديرة الموسيقية مارين ألسوب بأنه «رحلة موحية ومؤثرة» تجسد «معاناة وإصابات وانتصارات إخوتنا وأخواتنا المهجّرين، من خلال صوت طفل… برسالة جميلة ومهمة». ويضم إنتاج جندلي الغني أعمالًا سيمفونية وموسيقى حجرة وموسيقى تصويرية للأفلام، وقد وثّقها في سلسلة من التسجيلات التي نالت استحسانًا واسعًا. ومن بين ألبوماته الحديثة: «السيمفونية السورية» (Syrian Symphony)، و«سوهو» (SoHo)، و«هيرايث» (Hiraeth)، التي أُطلقت في قاعة كارنيغي خلال الأعوام 2015 و2016 و2017 على التوالي.
يشارك جندلي بانتظام متحدثًا في القضايا الإنسانية والمنتديات الإبداعية. وقد ألقى محاضرات في جامعة هارفارد، ومنتدى سكول العالمي في أكسفورد، وجامعة ديوك، ومهرجان أفكار أسبن، وجامعة فوردهام، ومقر الأمم المتحدة، ومناظرات الدوحة في جامعة جورجتاون بقطر، ومحاضرات TEDx في معهد جورجيا للتكنولوجيا، وبرنامج Sydney Ideas في جامعة سيدني. وقد حصل عام 2014 على جائزة الموسيقى الإنسانية العالمية، كما كُرّم عام 2015 ضمن برنامج «المهاجرون العظماء» من مؤسسة كارنيغي في نيويورك. إضافة إلى ذلك، أسس جندلي منظمة «بيانوهات من أجل السلام» (Pianos for Peace)، وهي مؤسسة غير ربحية متميزة تنظم سنويًا معرضًا فنيًا عامًا لآلات البيانو المرسومة، بحيث يتمكن الجميع من العزف عليها والاستمتاع بها. وبعد انتهاء المعرض، تُهدى هذه الآلات إلى المدارس ودور الرعاية، ومؤخرًا إلى مركز كينغ الشهير في أتلانتا، بهدف إتاحة الفنون للجميع وتعزيز السلام من خلال الموسيقى والتعليم.
جاءت فكرة تأليف كونشرتو للفيولا لعازف الفيولا روبرتو دياز إلى جندلي عندما شاركا المسرح في العرض الأمريكي الأول لعمله «طائر الفينيق في المنفى» (Phoenix in Exile) في فبراير 2017 بمسرح واشنطن بافيليون. وقد أوفى بوعده بتأليف كونشرتو للفيولا مهدى إلى دياز، وأرسله إليه في نوفمبر من العام نفسه، قائلًا: «يمزج هذا العمل بين الألحان الشعبية السورية والألحان القديمة وتقنية الإثني عشر نغمة لدى شونبرغ. والهدف هو خلق مجال متوتر من التنافر بين ما هو “أوروبي” بأقصى درجاته وما هو “سوري” تقليدي، مع الحفاظ على الأصالة والطابع العضوي لهذا المزيج الفريد». ويُنتج هذا التأويل الجندلي لتقنية الدوديكافونية نسخة حرة وجذابة بالكامل، قريبة من مستمع اليوم. ويقول دياز: «أتطلع بشدة إلى تقديم هذا العمل».
تعتمد الحركة الأولى، المكتوبة بصيغة السوناتا والمفعمة بالحيوية، على أفكار لحنية وإيقاعية قصيرة مستمدة من الموسيقى الشعبية السورية، لكنها تقدَّم، بحسب جندلي، «في قالب كونشرتو يستخدم الأشكال والتناغمات الغربية». وتوازن الحركة بين اندفاعها الحركي المتواصل ولحظات من الغنائية الرقيقة سواء في خط الفيولا المنفرد أو في الأوركسترا. كما أن التوزيع الأوركسترالي المتقشف نسبيًا يبرز العازف المنفرد، بينما تسمح حرية البناء بعودة ختامية مكثفة تبلغ ذروتها وتنتهي بروح فكاهية في اختفاء سريع ومباغت.
أما الحركة البطيئة فتتطور على هيئة لحن رئيسي مع تنويعات مستمدة من لحن شعبي سوري قديم. وكان من بين المصادر العديدة التي حملها جندلي معه من سوريا مجموعة جمعها علي درويش (1884–1952)، تضمنت لحن «سماعي عجم» لإبراهيم درويش، وإن لم يكن واضحًا ما إذا كان إبراهيم والد علي أم جده. وقد سُرّ جندلي عندما اكتشف أن هذا اللحن الممتد يحتوي على جميع نغمات السلم الاثنتي عشرة، فابتكر صفًا نغميًا استنادًا إلى ظهورها الأول. وبالنسبة للحن الرئيس المكتوب بإيقاع 10/8، فقد حافظ أيضًا على بنيته المؤلفة من أربعة أبيات، يُعزف كل منها مرتين، مرة بواسطة الفيولا المنفردة ثم الأوركسترا أو بالعكس، مع وصلات انتقالية مبتكرة.
ولتأليف الحركة الثالثة، استخدم جندلي لحنين شعبيين سوريين، وتحديدًا من «الوصلات» الموسيقية، وهي المقاطع الجسرية المستخدمة كثيرًا في الموشحات والموسيقى الصوفية. الأول بإيقاع 7/8 ومن مقام «سازكار»، والثاني بإيقاع 19/4 ومن مقام «نوا أثر» كما يرد في الموشح «يا ناعس الأجفان». ومن هذين المصدرين بنى جندلي مقامًا «محوّرًا» (مي–فا–صول دييز–لا–سي بيمول–دو دييز–ري دييز) شكّل أساس مفرداته اللحنية والهارمونية.
وبعيدًا عن التفاصيل التقنية للبناء، تبدأ الحركة الثالثة في جو من الترقب الخافت والحركة المتوثبة التي تكاد تكون متخفية، ثم تتلاشى لتعاود الانطلاق بينما تقترن الفيولا بلحن غنائي يؤديه الفاغوت، يعقبه عزف منفرد رشيق للكلارينيت. وتفضي المقاطع اللافتة التي تعتمد على العزف المزدوج للفيولا والتدخلات الوترية الجريئة إلى قسم علوي حالم وأثيري. وفي أواخر الحركة، يطلق مقطع بطيء مفعم بالشجن عملية تصاعد تدريجي نحو ذروة قوية، تنتهي بخاتمة مفاجئة.
جين فيال جافي