تم تسجيل السيمفونية رقم 8 في فيينا مع أوركسترا راديو فيينا السيمفوني، بقيادة المايسترو الأمريكية مارين ألسوب أحد أهم قائدي الأوركسترا في الوقت الحالي، وتلميذة المايسترو والموسيقار العبقري ليونارد برنشتاين.
تأتي هذه السيمفونية ضمن إطار المشروع الموسيقي لمالك جندلي وما يهدف إليه من حفظ التراث السوري وتقديمه إلى العالم بلغة الموسيقى السيمفونية، وتوظيف المقامات الشرقية بأسلوب أكاديمي ضمن نظرية الهارموني للموسيقى الكلاسيكية.
السيمفونية الثامنة لمالك جندلي ليست سيمفونية تقليدية مكتوبة للأوركسترا الكبيرة الكاملة، وإنما هي سيمفونية مؤلفة لأحد عشر عازفاً فقط، وتنتمي إلى نوع موسيقى الحجرة، ذلك النوع من الموسيقى الكلاسيكية الذي يؤلف لمجموعة محدودة من الآلات الموسيقية وتؤدى عادة في القاعات والمسارح الصغيرة.
تتكون السيمفونية الثامنة من خمس حركات، وتقدم تناغماً رائعاً بين الألحان العربية والثيمات المستلهمة من التراث الموسيقي السوري، وقوالب وقواعد وتقنيات الموسيقى الكلاسيكية الغربية، ويتميز هذا العمل بالبناء المحكم وكثافة الأفكار الموسيقية، وشفافية النسيج الصوتي ووضوح الخطوط اللحنية، والتفاعل الحي بين الآلات الموسيقية، والتلوين النغمي الكبير على الرغم من قلة عدد الآلات الموسيقية، والهارموني الذي يمنحها طابعاً جمالياً بديعاً.
الحركة الأولى سريعة ذات أسلوب قوي نشيط وحيوي، تمتلئ بالطاقة بداية من الدخول السريع والنغمات المتلاحقة، هي الحركة التي تفتتح السيمفونية وتؤسس لما سيبنى فيما بعد، تتضمن الحركة عرضاً لموضوعين موسيقيين متقابلين، ثم تقدم التفاعل بينهما والتطور الدراماتيكي لهذا التفاعل، ثم إعادة العرض للموضوعين بنيرة حكيمة، تتميز هذه الحركة بالديناميكية الشديدة والإيقاع القوي والزخم الدرامي، وفيها بعض النغمات الحماسية وتمتعنا بلحن جميل ذي طابع عربي.
الحركة الثانية بداية هادئة خافتة بنبر على الوتريات يتصاعد تدريجياً، ويمتد الصوت لتتدفق الموسيقى برفق، ويتهادى لحن ميلودي جميل بفواصل النبر على الوتريات، ثم تنضم مجموعة العزف وتتعدد الأصوات. تتصاعد الموسيقى نحو ذروة متوسطة، ويكون القسم الأخير من الحركة غنياً، ثم تنتهي الحركة نهاية خافتة حيث يعود النبر المتقطع على الوتريات والنغمات القصيرة. تبدو هذه الحركة كرؤية حالمة تسير بوتيرة معتدلة، حلم خيالي أو حالة وجدانية تأملية، نستمع فيها إلى ثيمة رائعة تعود في النهاية، مع توظيف مدهش للوتريات والهوائيات الخشبية.
الحركة الثالثة بداية حيوية بلا تمهيد أو تدرج تضعنا مباشرة داخل الاسكرتسو، النمط الموسيقي المرح الراقص، تمضي الحركة بوتيرة سريعة جداً أكثر سرعة من الحركة الأولى، وتميل إلى البهجة والرشاقة. نستمع إلى ثيمة عربية الطابع بصوت الهوائيات الخشبية، تبطئ الموسيقى قليلاً في المنتصف ثم يعود الإيقاع السريع وتعود الثيمة بتلوين جديد وبشكل أسرع، حيث تتكون الحركة من موضوع رئيسي مرح في القسم الأول، ويكون القسم الثاني أكثر هدوءاً، ثم العودة إلى الموضوع الأول في القسم الثالث. تتسم الحركة بالحيوية الشديدة والتغيرات الديناميكية المفاجئة والنقر السريع وتبدل الوحدات والمقاييس الزمنية، ويبرز دور الهوائيات الخشبية والوتريات في هذه الحركة.
الحركة الرابعة أبطأ قليلاً من الحركة الأولى وأسرع قليلاً من الحركة الثانية، تأتي كحركة انتقالية بين الاسكرتسو في الحركة الثالثة وخاتمة السيمفونية الحركة الخامسة، تخلق الحركة الرابعة حالة عاطفية ناعمة قبل العودة إلى الحماس في الحركة الأخيرة. هي حركة رومانسية ذات حساسية شديدة تقدم لنا لحناً عربياً رائعاً يستمر ويتم التويع عليه مع طابع الحزن والشجن في القسم الأخير، وهنا أيضاً يبرز دور الوتريات والهوائيات الخشبية.
الحركة الخامسة وضع لها مالك جندلي عنوان "كلماتي الأخيرة" ختام سريع ومثير، هي الحركة الختامية والنهاية المكثفة المشحونة بالزخم لإغلاق السيمفونية على طابع مهيب، ونستمع في هذه الحركة إلى ثيمة راقصة رائعة.