لما بدا يتثنى

تنويعات للبيانو والأوركسترا

تم تسجيل هذا العمل الصادر عام 2015 في موسكو بأداء الأوركسترا الروسية الفيلهارمونية تحت قيادة المايسترو سيرجي كوندراشيف، يستغرق عزف المقطوعة تسع دقائق وهي كما يبدو من عنوانها مؤلفة للبيانو والأوركسترا وتنتمي إلى فئة التنويعات، والتنويعات في الموسيقى الكلاسيكية تقنية من تقنيات التأليف الموسيقي تعتمد على أخذ لحن رئيسي وإعادة صياغته عدة مرات بطرق مختلفة والتنويع عليه، فلا هو يبقى على شكله الأصلي وفي نفس الوقت لا يتغير تماماً ولا يختفي أو تضيع ملامحه بالكلية، بل على العكس يمكن القول إنه يمتد ويتضاعف ويكتسب وجوداً آخر وحيوات موسيقية متعددة.

يقوم هذا العمل على اللحن العربي الشهير "لما بدا يتثنى" الذي يعد من أشهر الموشحات الأندلسية المغناة والمحفوظة لدى الجميع تقريباً، يختلف البعض في تحديد مؤلف موشح لما بدا يتثنى، فهناك من ينسبه إلى لسان الدين بن الخطيب وهناك من ينسبه إلى محمد عبد الرحيم المسلوب، لكنه موشح أندلسي على كل حال صياغة وقالباً، والموشح فن نشأ في الأندلس وإليه يعود أصله وجذوره. وعندما يقوم الموسيقار مالك جندلي بتناول فن الموشح الأندلسي ضمن مؤلفاته ومشروعه الموسيقي الكبير، فإنه لا يتناول تراثاً عربياً عاماً وحسب، بل يتناول تراثاً موسيقياً متأصلاً في سوريا في الوقت نفسه، فإن فن الموشح كما هو معروف من الفنون المتغلغلة في الثقافة الموسيقية السورية، وتعد سوريا مرجعاً في غناء الموشحات الأندلسية، ويندرج هذا في إطار عمله الذي يهدف إلى حفظ التراث السوري وحماية الثقافة السورية من الضياع والاندثار، وتوظيف ألوان الموسيقى السورية التراثية والتقليدية والمقامات الشرقية بطريقة أكاديمية ضمن علم الهارموني للموسيقى الكلاسيكية.

تبدأ المقطوعة بلحن الموشح الأصلي حيث نسمعه بصوت الهوائيات الخشبية مع نبرات الوتريات المنتظمة في الخلفية، يعزف اللحن للمرة الثانية وقد تم تحويره قليلاً، وفي المرة الثالثة يظهر البيانو، تقوم الوتريات بعزف الثيمة الرئيسية بينما يدخل البيانو بخط ميلودي آخر نسمعه في الوقت نفسه مع اهتزاز الوتريات وخفوتها، يعزف البيانو الثيمة منفرداً بتنويعات ارتجالية تشبه التقاسيم إلى حد ما، ونكون مع ذروة هائلة كصوت نفير مرتفع من الثيمة، يعود البيانو لارتجالاته ويتسارع عزفه للثيمة مع نغمات إضافية مختلفة، تتفاعل الموسيقى بشكل صاخب وسريع، وتحتشد آلات الأوركسترا من إيقاع ونحاسيات، ومع البيانو ذروة أخرى تقود إلى عزف الثيمة بوتيرة أسرع وتذهب الأوركسترا نحو تصاعد هائل ويتكرر النفير، وفي الجزء الأخير من المقطوعة يعزف البيانو نغماته الخاصة الحالمة الهادئة بشكل بطيء.

يبرز هذا العمل لانهائية الموسيقى وإمكانية تذوقها جمالياً بألوان عدة بلا حدود، ويمكن القول إننا نستمع من خلال هذه المقطوعة إلى أكثر من "لما بدا يتثنى" في وقت واحد باكتشافات رائعة لجمال الأنغام وقوة الأفكار. حيث يستعرض مالك جندلي في هذا العمل اللحن الأساسي في البداية، ويقدمه إلى السامع كموضوع المقطوعة الأساسي الذي سيتم العمل عليه، ثم يعرض علينا الصورة تلو الأخرى من هذا اللحن وقد لونه بألوان مختلفة، وكل صورة من تلك الصور تكون مختلفة عن الأخرى ولا يكرر جندلي نفسه فيها. تتعدد الجماليات الموسيقية في هذا العمل سواء الهارمونية أو الكونترابنطية، ويشعر المستمع بالتنوع الشديد والتطور المستمر وتوالي الأفكار الموسيقية، كما يبرز دور الإيقاع إلى جانب الميلودي خصوصاً في الأجزاء الدرامية الصاخبة حيث يتجلى صوت النحاسيات وطبقات الأصوات الغليظة، بينما يبرز صوت البيانو والوتريات والهوائيات الخشبية في الأجزاء الغنائية الشاعرية الناعمة، كما أن هناك نقاط الارتفاع والانخفاض والتفاعل الحار وإرسال اللحن ومعه لحن مضاد، والتدفق المستمر وانتقالات الأنغام في حركة متصلة والاستطراد والتعارض، ويلاحظ السامع أنه مع الخطوط الميلودية الطويلة ذات الطابع الغنائي الناعم تقترب المقطوعة من اللون العربي الخالص، ومع قصر الخطوط الميلودية وعدم ترك اللحن لينساب في غنائيته ومع التوزيع الأوركسترالي ذي الألوان المتعددة، تقترب المقطوعة من الشكل الكلاسيكي الغربي بكل نبراته وتفاصيله.