ألف مالك جندلي مقطوعة مرثاة عام 2013 وقام بتسجيلها في لندن عام 2014 بأداء الأوركسترا الملكية الفيلهارمونية وقيادة المايسترو ديفيد فيرمان. صدرت المقطوعة ضمن ألبوم كونشيرتو البيانو وكانت هي المقطوعة الوحيدة التي لا توظف آلة البيانو وإنما تعتمد على الأوركسترا فقط. تأتي هذه المقطوعة ضمن إطار مشروع مالك جندلي الموسيقي وما يهدف إليه من حفظ التراث السوري وتقديمه إلى العالم بلغة الموسيقى السيمفونية، وتوظيف المقامات الشرقية بأسلوب أكاديمي وفق نظرية الهارموني وعلم الانسجام في الموسيقى الكلاسيكية.
في مقطوعة مرثاة يستلهم مالك جندلي لحناً سورياً قديماً من قالب التحميلة في مقام صبا، ولا تنفصل مقطوعة مرثاة أيضاً عما كرس له مالك جندلي مؤلفاته الموسيقية على مدى سنوات طويلة من دفاع عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، ومواكبة الثورة السورية العظيمة وكفاح الشعب السوري للتحرر من القمع والطغيان والديكتاتورية، والتوثيق الموسيقي لتلك الفترة التاريخية المفصلية في حياة الشعب السوري. وقد جعل جندلي من موسيقاه صوتاً لمن لا صوت لهم، وأوصل هذا الصوت إلى العالم مصوراً المأساة التي عاشها الشعب السوري بكافة تفاصيلها.
في مقطوعة مرثاة نكون مع أجواء الحزن العميق ورثاء موسيقي لشهداء وضحايا ووطن عريق بحضارته وثقافته تم تدميره وإبادة شعبه، تتلاحق الصور عند الاستماع إلى هذه المقطوعة ونتذكر ما لاقاه الشعب السوري منذ 2011 وحتى 2024 من مآس وأهوال، صور لشهداء ومعذبين ومعتقلين ومهجرين، تمر أمامنا أبشع أساليب القتل والتعذيب والموت ومجازر الكيماوي والبراميل المتفجرة، أطفال يموتون اختناقاً وتعذيبا وحرقاً وغرقاً على شواطئ اللجوء، آثار وتاريخ كان يدمر على مرأى ومسمع من الجميع، وظلم بالغ تعرض له الشعب السوري والأرض السورية.
في هذا العمل يذهب مالك جندلي إلى أحد قوالب الموسيقى العربية، قالب التحميلة، وهو قالب موسيقي صرف غير غنائي يعتمد على الآلات الموسيقية فقط بعيداً عن الصوت البشري. مدة المقطوعة ثمان دقائق وتبدأ بجملة تمهيدية للأوركسترا، تتكرر هذه الجملة مرة أخرى ثم ينفتح اللحن تدريجياً على أنغام وجمل موسيقية جديدة، تتناوب الآلات الموسيقية على أدائها ثم تعود الأوركسترا للجملة التمهيدية، وتنتقل الموسيقى بين انفرادات توحي بالارتجالية المرتبطة بقالب التحميلة، والتأثيرات الشعورية المختلفة لكل من الكمان والفلوت والكلارينيت وقدرة كل آلة من هذه الآلات على التعبير عن الحزن، حيث تسيل الدموع وتعلن الجراح العميقة عن وجودها، وتسود أجواء الحزن والشجن والأنين خصوصاً مع صوت الفلوت وتأثيراته التي تذكر السامع العربي على وجه الخصوص بصوت الناي وإحساسه المؤثر.
في هذه المرثاة يوظف مالك جندلي الآلات الموسيقية في أقصى طاقاتها التعبيرية لوصف الحزن والألم، فعندما نستمع إلى آلة الكمان مثلاً ونتبع ما يصدر عنها من نغمات ناعمة انسيابية تتدرج لحنياً بدقة، نشعر بمدى قرب هذا الصوت من الأحاسيس العميقة في النفس البشرية، وكذلك الفلوت بأنينه الطويل ودموعه الثقيلة وحزنه الشفيف الذي يختلف عن حزن الكمان، حيث ينوع مالك جندلي ألوان الحزن وتعبيراته من آلة إلى أخرى من خلال الخط اللحني الذي يتم تنويعه ليعطي في كل مرة وجهاً جديداً للحزن.
تعلو موجات الحزن وتهبط وتمتد وتنحسر، ويتم توظيف الهدوء والخفوت والبطء وحتى الصمت في لحظات معينة للتعبير عن حزن هائل وألم عميق. تخبرنا هذه المقطوعة بأن الموسيقى تستطيع أن تكتب هي الرثاء عندما يكون الحزن أكبر من الكلمات، هي مقطوعة تغوص في الحزن والألم ربما بحثاً عن عزاء، وتعبر عن شعور الجموع من الشعب السوري بالفقد.
قام مالك جندلي بتوظيف مقام صبا المعروف بشجنه الشرقي الأصيل وحزنه الغامض، وطبيعته الشاعرية العاطفية وأبعاده وتأملاته الوجدانية، وأعاد تشكيله داخل نسيج هارموني معقد بتقنياته الدقيقة من حيث بناء الجمل والتوزيع الأوركسترالي وتعدد الطبقات النغمية، والانتقال داخل المقام بحس مرهف، لذا تعد مقطوعة مرثاة من المقطوعات الجميلة الغنية بتفاصيلها الفنية المتشابكة.
تتسم المقطوعة بقوة التعبير سواء في التمهيد الجماعي للأوركسترا والمقاطع الفردية لكل آلة والعودة للجملة الرئيسية والزخارف والتقسيمات والختام المؤثر، تعلن المقطوعة عن هويتها الشاعرية وتقدم للعالم جانباً أصيلاً من الثقافة الموسيقية العربية، وتقدم كذلك تجربة شعورية مختلفة للسامع الغربي بينما تلامس أعماق السامع العربي في الصميم، وكبقية مؤلفات مالك جندلي تمثل هذه المقطوعة جسراً فنياً بين التراث اللحني العربي والموسيقى السيمفونية الأوركسترالية الغربية.
مرثاة مقطوعة تحمل في أنغامها حزناً عظيماً ورثاء لشهداء الثورة السورية وضحايا الديكتاتورية والطغيان من الشعب السوري، وضحايا الظلم في كل مكان من العالم، رثاء كتبه مالك جندلي بحروف الموسيقى.