شمعة

عمل للأوركسترا والكورال ألفه مالك جندلي بتكليف من قائد الأوركسترا الأمريكي ديفيد ديلتا غاير وأوركسترا ساوث داكوتا. من قصيدة بعنوان شمعة لجلال الدين الرومي استلهم مالك جندلي هذا العمل وأهداه إلى الشهيد عبد الباسط الساروت الذي يعد من أيقونات الثورة السورية الخالدة، هو ابن مدينة حمص، مدينة الموسيقار مالك جندلي أيضاً، وحارس مرمى فريق كرة القدم السوري نادي الكرامة، والصوت الذي طالما صدح بالحرية حتى استشهاده وتحوله إلى رمز من رموز النضال ضد الديكتاتورية والطغيان والفداء من أجل حرية الشعب السوري.

يهدف هذا العمل إلى حفظ الثقافة السورية في الوقت الذي كانت تتعرض فيه للمحو والتدمير، ويهدف كذلك إلى تقديم التراث الموسيقي السوري إلى العالم بلغة الموسيقى السيمفونية وتوظيف المقامات الشرقية بأسلوب أكاديمي ضمن علم الهارموني في الموسيقى الكلاسيكية.

يمثل الشعر إلهاماً للموسيقار مالك جندلي، ولديه أكثر من عمل استلهمه من قصائد لشعراء عرب وأجانب، ويعد جلال الدين الرومي بصوفيته وحكمته العميقة من أهم الشعراء على قائمة مالك جندلي، وهو يفتح من خلال موسيقاه نافذة رائعة لمستمعيه على ما يختاره من أشعار ذلك الشاعر الخالد وظلال معانيه الساحرة.

في هذا العمل يذهب جندلي إلى قصيدة قصيرة من قصائد جلال الدين الرومي، لكنها قصيدة تفيض بالحكمة وتحمل رسالة مكثفة مختصرة شديدة العمق الإنساني حول معنى الحياة وما يجب أن يفعله الإنسان حقاً في هذا العالم، تقول القصيدة: الشمعة وهي تتلاشى تشرح: جمع المزيد والمزيد ليس هو السبيل، احترق، كن نوراً ودفئاً وعوناً، ذُب.

ويا لها من حكمة بليغة ورسالة مؤثرة تصل إلى القلب مباشرة، هنا تأخذنا القصيدة إلى معان أعمق من المقولة السائدة "شمعة تحترق من أجل الآخرين" وإن كانت تتصل بها بشكل أو بآخر، فقصيدة جلال الدين الرومي تتحدث عن جوهر الحياة والوجود الإنساني، عن العطاء ونبذ الجشع مع الإدراك والوعي الكامل بأهمية ما يقدمه المرء وهو يؤدي دوره في هذه الدنيا، فالشمعة وهي في طريقها إلى الفناء تكون قد قدمت النور والدفء واللحظات الجميلة، كالساروت الثائر الحر الذي آمن بمجيء يوم الحرية لكنه لم يشهده، وفارق الدنيا كشمعة أنارت الطريق في أشد لحظات الظلام الحالك الذي خيم على سوريا، وخنق النور والأمل لسنوات وسنوات، كان الساروت يغني فيتردد صوته باعثاً الرجاء واليقين في حرية سوف تأتي حتماً، وعندما تحرر الشعب السوري وكسر قيد الديكتاتورية تذكر الناس الساروت وكان حاضراً في احتفالهم كذكرى من نور، كما تذكره مالك جندلي أيضاً كشمعة أضاءت مسيرة الثورة السورية وأهدى إليه هذا العمل.

في هذا العمل المؤلف للأوركسترا والكورال أراد مالك جندلي أن تكون كلمات جلال الدين الرومي حاضرة مغناة ومسموعة، لا أن يتم التعبير عنها من خلال الموسيقى البحتة فقط كما في أعمال سابقة، لكن هذا الحضور الغنائي يحتل مساحة محدودة من العمل، بينما تكون المساحة الأكبر للأوركسترا والتعبير الموسيقي الصرف، كذلك يتم تقديم كلمات جلال الدين الرومي بطريقة غير تقليدية من خلال الأداء الصوتي للكورال، فلا يتم غناء أبيات القصيدة بالشكل التقليدي المتوقع أو بالتتابع الكامل، وإنما يتفرق الغناء على مقاطع ومحطات مختلفة من العمل، فتمتزج الكلمات بالموسيقى وتنبعث منهما المعاني البليغة.

نستمع إلى قصيدة جلال الدين الرومي في ترجمتها الإنكليزية في هذا القالب الفني الذي يجمع بين الشعر والموسيقى، حيث يشعر السامع بعمق التعبير والرونق الموسيقي المهيب.

يتميز هذا العمل بثراء هارموني كبير ويستخدم مالك جندلي تقنيات معقدة في التناغم تتميز بالتجديد والابتكار، بالإضافة إلى التراكيب الهارمونية المتشابكة، فهو يستند إلى قواعد التناغم الكلاسيكية لكنه يطورها ويثريها بطريقة فريدة، ويلاحظ تعدد الألوان الصوتية التي تعبر عن مشاعر مختلفة، والتباينات المفاجئة والتنقلات غير المتوقعة، وتوظيف الألحان السورية القديمة التي تؤكد العمق الدرامي للعمل.

يستغرق عزف مقطوعة شمعة 17 دقيقة وتبدأ بضربة إيقاعية وأنغام خافتة بطيئة تتكرر ثلاث مرات ثم تتصاعد وتنفتح على لحن جديد، تأخذ الموسيقى في التصاعد التدريجي مع بعض ضربات الإيقاع القوية التي تتكرر من حين لآخر. يحدث جيشان موسيقي هائل باجتماع آلات الأوركسترا، يغني الكورال كلمة "شمعة" مرتين، ثم يقولون عندما تتلاشى وتتكرر كلمة "تشرح" سبع مرات، وتتكرر جملة "ليس هو السبيل" عدة مرات أيضاً، هذا التركيز على تكرار بعض الجمل والكلمات المعينة يكون له أثر جمالي كبير.

في منتصف المقطوعة نستمع إلى لحن سوري قديم منغم ذي ميلودية جميلة بروح شرقية، ثم نكون مع ذروة هائلة بعدها تؤدى الثيمة الشرقية بشكل محلمي، ثم يعود الغناء ويؤدي الكورال أبيات القصيدة، لنكون في النهاية مع كلمات جلال الدين الرومي مرة أخرى، ومع نغم يخفت تدريجياً حتى يصمت، كشمعة تنطفئ لكنها تترك في النفس نوراً لا يغيب.

تمزج موسيقى هذا العمل بين القوة والرقة، رقة الفعل وقوة أثره، رهافة الشمعة وقدرتها على صنع شيء كبير، شمعة مقطوعة رائعة بتعبيرها العاطفي العميق وضخامتها وتعقيدها الفلسفي والروحي، فيها يوظف مالك جندلي أوركسترا كبيرة العدد مع عدد ضخم من العازفين بالإضافة إلى الكورال، ويمزج بشكل واضح بين الأسلوب الغنائي الميلودي والتعبير الدرامي المكثف، كما يستخدم الإيقاع لخلق بعض التوترات والتغيرات المفاجئة، وبشكل عام تتسم هذه المقطوعة بالغزارة العاطفية والفكرية، ويشعر السامع بأنها ليست عملاً موسيقياً غنائياً فحسب، وإنما تجربة فنية وفلسفية عميقة.